القرطبي

5

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وهربا إلى إدريس - وهو جد أبي نوح عليهما السلام - وسألاه أن يدعو لهما ، سبحت الملائكة بحمد ربهم واستغفرت لبني آدم . قال أبو الحسن بن الحصار : وقد ظن بعض من جهل أن هذه الآية نزلت بسبب هاروت وماروت ، وأنها منسوخة بالآية التي في المؤمن ، وما علموا أن حملة العرش مخصوصون بالاستغفار للمؤمنين خاصة ، ولله ملائكة أخر يستغفرون لمن في الأرض . الماوردي : وفي استغفارهم لهم قولان : أحدهما - من الذنوب والخطايا ، وهو ظاهر قول مقاتل . الثاني - أنه طلب الرزق لهم والسعة عليهم ، قاله الكلبي . قلت : وهو أظهر ، لان الأرض تعم الكافر وغيره ، وعلى قول مقاتل لا يدخل فيه الكافر . وقد روي في هذا الباب خبر رواه عاصم الأحول عن أبي عثمان عن سلمان قال : إن العبد إذا كان يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء قالت الملائكة : صوت معروف من آدمي ضعيف ، كان يذكر الله تعالى في السراء فنزلت به الضراء ، فيستغفرون له . فإذا كان لا يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء قالت الملائكة : صوت منكر من آدمي كان لا يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء ، فلا يستغفرون . وهذا يدل على أن الآية في الذاكر لله تعالى في السراء والضراء ، فهي خاصة ببعض من في الأرض من المؤمنين . والله أعلم . يحتمل أن يقصدوا بالاستغفار طلب الحلم والغفران في قوله تعالى : " إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا " ( 1 ) [ فاطر : 41 ] - إلى أن قال - إنه كان حليما غفورا " ، وقوله تعالى : " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " ( 2 ) [ الرعد : 6 ] . والمراد الحلم عنهم وألا يعالجهم بالانتقام ، فيكون عاما ، قاله الزمخشري . وقال مطرف : وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة ، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشياطين . وقد تقدم ( 3 ) . " ألا إن الله هو الغفور الرحيم " قال بعض العلماء : هيب وعظم عز وجل في الابتداء ، وألطف وبشر في الانتهاء . قوله تعالى : والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل ( 6 )

--> ( 1 ) آية 41 سورة فاطر . ( 2 ) آية 6 سورة الرعد . ( 3 ) راجع ج 15 ص 295